عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
105
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
والحظ فناك مشاهدا لبقائنا * واعدم خضوعا إن شهدت جلالنا من يدعي معنا وجودا في الهوى * فجزاؤه أن لا ينال وصالنا يا هذا دعواك الوجود بين يدي من هو عين كل موجود ذنب جزاؤه الجفاء ومعصية عقوبتها عدم حصول الصفا ، فاترك بين يدي من تهوى تلك المهاوي ، وتجرد عن محاسنك والمساوي ، واصرف أمر وجودك إليه كيلا تكون من أهل الدعاوى . ما في الوجود سواه من موجود * هو عين هذا العالم المشهود هو عين مسموع سمعت وما ترى * هو ما عقلت من المعاني الغيد هو عالم الملكوت والملك الذي * تلقاه محصورا على التجريد هو عالم الجبروت واللاهوت * والناسوت والمعدوم والموجود فاشهده واجحد ما سواه لأنه * ما ثم غير جماله المسعود يا أهل الحجاب إن أردتم كشف النقاب فعليكم بجحدان ما سواه من كل باب ، وتصوروا بهذا المعنى واشهدوه ولاحظوا بالتعمل عدمية العالم واجحدوه فعن قريب تشرق أرضكم بنورها فتجدوه . ويا أهل الكشف والشهود وأرباب الاطلاع والوجود عليكم بدوام الاسترسال بالتفنن بفنون ذلك الجمال ، فعن قريب تتحققون بحقائق الكمال ، وإنما التحقيق في التحقيق لأهل الاسترسال والفهم والتمييز في التدقيق ، الذين لما كانت الصفات معارجهم أصبحت تجليات الذات مدارجهم ، أول ما عرفوا الذات بالصفات ثم علموا الصفات علما ثابتا بالذات لما ساروا في أفلاك المعاني الصفاتية تلذذوا بالانهماك في تلك المجالي الكمالية ، فساروا في الذات بتحقيق معاني الصفات لا بل وقفوا في الصفات بتحقيق معاني أحكام الذات لا بل واللّه تخلصوا من هذه النسب واستراحوا من هموم التعب وزال عنهم حكم وجود الألم بعد التمكين والنصب بتحقيق أمر العظمة في التجلي المعروف بالحطمة ، فعندها تمكنوا وبكل لون تلوّنوا ، ولم يزالوا بعدها في التغالي ذاهبين إلى تحقيق أمر المعالي لا يقنعون بمجلى أجلى ولا يقفون في المنزل الأحلى ولا يستريحون في المستوى الزلفى ، بل تابعين لآثار النبي صلى اللّه عليه وسلم المصطفى في ذاته وصفاته وجميع أسمائه الحسنى لأنه دليلهم هنالك والمثنى عليهم بذلك في قوله لما قضى من العالم الدنياوي نحبا ووالى ثلاث مرات في الرفيق الأعلى إشارة إلى تحقيق أمر الذات صرفا محضا بالأولى وإلى حقيقة التمكين بالأخرى في كل وصف أجلى وإلى طلب ما لا نهاية له بالثالثة لئلا يتسلى إنما كان هذا آخر كلام الرسول في النفس الآخر عند القدوم من الدنيا إلى اليوم